محمد بن لطفي الصباغ
52
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
1 - كانت تنزل بالنبي نوازل يتطلب لها حلا ، وكذلك كل من حوله ، ولكنه لا يجد في شأنها قرآنا يقرؤه على الناس « 1 » . ومن هذه النوازل والأزمات حديث الإفك عن زوجته السيدة المصونة عائشة رضي اللّه عنها ، فلقد أبطأ الوحي ، وطال الانتظار ، والناس يخوضون في هذا الحديث المؤذي ، ويلوكون عرض النبي النقي ، حتى بلغت القلوب الحناجر . وهو لا يستطيع أن ينهى هذه المشكلة ، ويحسم هذا الموضوع ، ومضى شهر بأكمله وهو ينتظر رأي السماء ، وما زاد على أن قال لها آخر الأمر : « يا عائشة أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وان كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه » « 2 » . هذا كلام رجل من البشر لا يعلم الغيب . وكلام المتثبت الذي لا يتبع الظن ولا يقول ما ليس له به علم . على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنا براءتها ومصدرا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها . فما ذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن اليه - أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ، ويذب بها عن عرينه ، ويقطع بها ألسنة القاذفين المتخرصين وينسبها إلى الوحي ؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه « 3 » . 2 - وفي مرات أخرى كان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه ويخطئه في الرأي يراه ، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه ، فمن ذلك قوله
--> ( 1 ) « النبأ العظيم » ص 16 . ( 2 ) انظر حديث الإفك في « البخاري » 5 / 96 و 6 / 88 و « مسلم » 8 / 112 و « الترمذي » 4 / 155 - 157 و « تفسير ابن كثير » 3 / 268 وكتب السيرة . ( 3 ) « النبأ العظيم » : ص 17 .